Monday, February 14, 2011

مصــــــــر المحروســــــــة


مصـــــر المحروســــة
لطالما كتبنا عن مصر المنهوبة، ومصر المحبوسة، ومصر المغلوبة على أمرها، آن لنا أن نرد الأسماء إلى أصولها لأن الاسلام اعتنى بقضية الأسماء والمسميات عنايةً فائقةً ، وحرص أن يعطي للأسماء مدلولاتٍ واضحة ، وللمسميات معاني صريحة و ما ذلك إلا لأن التلاعب بالأسماء والمسميات أمرٌ ليس باليسير؛ وقد يترتب عليه الكثير من المفاهيم المغلوطة ، والنتائج غير المتوقعة . آن لنا أن نقول بملء الفم مصر المحروسة، المحروسة بأبنائها، برجالها، بشبابها، بمسلميها، بمسيحيها، بشركاء الوطن، وشركاء المصير، لقد عادت الأم لتحتضن أبناءها، عاد لمصر بهاؤها في فترة وجيزة من الزمن، تسارعت فيها الأحداث، تكاتفت فيها الأيدي، سالت فيها دماء، وهدمت فيها قلاع، وشيدت فيها صروح من المجد،هذه هي المرة الأولى التي تؤثرني فيها الشاشة الصغيرة لتليفزيون المصري في برنامج مصر النهارده لفترة زادت على الثلاث ساعات، حتى انتصف الليل، وغارت النجوم، وهدأت العيون، ونام الكثيرون، تألق الإعلامي محمود سعد على بساطته وهو يقدم برنامجه بتواضع جم، وبحنكة رائعة، تحدث فيها عن عام الأمل والتغيير ، وعن عام تسطير التاريخ، وعن جرأة الشباب والشجاعة، إنها اللحظة التاريخ التي ينحاز فيها التليفزيون إلى الشعب المصري، يناقش قضاياه، المعارضون للنظام المهترئ يملأون الأسماع، الروائي العالمي الدكتور علاء الأسواني، كوكبة من شباب مصر،أذهلتني ثقافتهم، وأستوقفتني مفاهيمهم العالية ومطالبهم الراقية، الدكتور عمرو خالد، مداخلة رائعة من مدير إدارة الشؤون المعنوية، تاريخ يسطر، نادي برشلونة العظيم يقف دقيقة حداد على أرواح الشهداء المصريين، صحفي يطالب رئيس وزراء بريطانيا بتدريس الثورة المصرية في التعليم البريطاني، لقد أسمعت مصر العالم، لطالما قلنا صُمَّت أُذُنُ الدنيا إن لم تسمع لنا، تحول تاريخي، روح وثابة، دماء الشهداء التي قدمها الشعب بسخاء، دفعها كل الشعب ، تحملها الآباء، والأبناء، إنها الروعة في أسمى معانيها، أنغام يناير التي دوى صداها في كل محفل، توقفت عقارب الزمن ثم استأنفت عملها بعد ثمانية عشر يوماً كانت هي الأعظم والأكثر روعة في التاريخ المصري، وقف الخلق ينظرون جميعاً كيف أبني قواعد المجد وحدي، وبناة الأهرام في سالف الدهر كفوني الكلام عند التحدي، لقد حان وقت الحصاد، حان وقت التغيير، فلتكن الثورة على الخمول والكسل، والبطالة، فلتكن ثورة على القعود واالتصاق بالأأرض، فلتكن ثورة لتعود مصر درة الشرق، وتاج العلاء، آن للثوار أن ينزلوا إلى ميادين العمل، آن لكل مصري أن يجدد ولاءه لمصر، وأن ينفض عنه غبار النوم.
د.إيهاب فؤاد

Saturday, February 12, 2011

صباح الحـــــــرية

إنَّ القيود التي طوَّقَت الأعناق، والأغلال التي تركت أثرها على صفحات الحياة، والأحمال التي تركت الظهور معوجة فترة من الزمن سرعان ما تلاشت وتبددت في صباح نسيمي جميل، عطره دم الشهداء الذين دفعوا الثمن طيبة به نفوسهم، استهانوا بالحياة فكان الخلود الأبدي في مقعد صدق عند مليك مقتدر، الأقزام الذين تطاولوا على كل حر شريف وسفَّهوا آراءهم، وشوهوا معالمهم، صوروا الشباب كدمى متحركة، فقدوا الانتماء، وانشغلوا عن الهدف الأسمى بما يقتل أوقاتهم كانوا شعلة وضاءة، وقامة عالية، صمدوا حين حاول الإعلام المزري في زمن القهر أن يقلل من دورهم، وحين حاول بقايا وأزلام الرجال وأشباههم أن يفقدوا مصر وعيها، وهي التي عاشت شامخة أبية، عزيزة عصية على كل معتد، من رامها بسوء قصمته، وسولت نفس الطاغية له أن يمتطي الشعب على مدار عقود ثلاثة أشبه ما تكون بكابوس، خلَّف وراءه فقراً، وجوعاً وأمراضا فتكت بالشعب جراء المواد السرطنة، وطبقة كادحة تبحث عن لقمة العيش ليسد جوعها، ماتت الطبقة الوسطى ولم يبق في مصر سوى طبقتين، احداهما امتطت صهوة جواد الثراء على أشلاء الشعب المغلوب على أمره، استعملت كل أسلحتها الفتاكة لإحباط الشعب، فكان الإعلام المسموع والمرأي والمقروء بوقا لنظام مستبد، وكانت البلطجة سلاح أشباه الرجال، وكان التزوير ساحة نزال ، وطبقة فقيردة معدمة ، تصارع من أجل البقاء، وتنفي عمرها بحثاً عن لقمة العيش، تراكمات عبر سنوات طويلة اختزلت في ضمير الشعب على مدار الثلاثين من السنين حتى انطلقت الشرارة التى سبقها بعام انتفاضات متقطعة، وتمرد من هنا وهناك، دغدغت العظام ، وأتت على كهولة النظام ، تصدت لنظام أمني وقمعي، حملت معاول الهدم لتقيم على أنقاض المتآمرين قصورا، ولتبني لمصرنا صروحا من المجد، عادت القامة عالية، وتنفست الدنيا الصعداء، فإن قامت مصر قامت معها الدنيا، ترقب الجميع ما يدور داخل الحلبة، حاول الطاغية أن يلعب على وتر الشعب العاطفي بالفطرة، المتسامح بالسليقة، الخالي الوفاض إلا من العزة، تارة يصرخ أنه قد وعى مطالب الشعب المشروعة، متى وأين؟
أين كان ذلك الوعى منذ سنوات طويلة؟ أين كانت تلك الرغبة الجامحة في أن تكون مصر بلد المحيا والممات؟ لماذا لم تعمل لهذه الساعة، وكأني بأهل البغي تعساء، حتى قبورهم عليها هوان الذل بين المقابر.
لقد أوقفت مصر الدنيا، حبس العالم أنفاسه، ترقب الملايين عبر الشاشات وعبر الشبكة العنكبوتية ما تسفر عنها المواجهة الغير مسبوقة، بين شعب مزقه الغلاء، وضربه الفقر، وهده المرض، وكتم أنفاسه الظلم والطغيان، وبين طغمة حاكمة تسيطر على مقدراته، وتنثر خيرات الوطن تحت أقدامها، داست في طريقها كل قيمة، وأهانت في طريقها كل مبدأ، أصبحت الأمانة بينهم عملة نادرة، خرج الأقزام وتوارى العمالقة لأنهم لم يجدوا ضالتهم بين ذويهم وأهليهم، طال الليل، وتعاقبت الأعوام، فنيت أجيال، وولدت أخرى، ولم يدر بخلد أحد أن لكل شيئ إذا ما تم نقصان، وأن الدنيا إذا أضحكتك فغداً ستبكيك، أضحكتهم الدنيا قليلاً ، ثم بدأوا يتجرعوا كأس المذلة والمهانة، حين وقف الشباب يدافع عن حريته بحياته، حين وقف الشباب يروى ظمأه وغلته بدمه الطاهر النقي، تلاحم الشعب ، صغاره وكباره وإن كانوا كلهم كباراً، رجاله ونساؤه، مسلموه ومسيحيوه، جسد واحد، يد واحدة، ولعلي ذكرت حين تحدثت عن الثورة الخضراء في تونس أن المراهن على الشعب هو الفائز الحقيقي، وأن المراهن على السلطة، والبطش، والقوة قد راهن على حصان أعرج في حلبة السباق، اليوم يسطر التاريخ صفحة جديدة، دعوني أقول أنها أول السطر، ويسدل الستار على حقبة مريرة ولعلها تكون الأخيرة في قاموس الطغاة، لقد كسر الناس حاجز الخوف، كانوا دروعاً واقية حين ترك مغاوير الداخلية أماكنهم ليبثوا الرعب في قلوبهم، وكانوا حصناً منيعاً حين اجتاح طوفان الطغيان الأخضر واليابس، انهارت منا الدموع، وجافت عيوننا ساعات النوم ولا نملك غيرها، نحن الذين تجرعوا الغربة، ورضينا بالسفر سبيلاً للتخلص من متاعب الحياة وهمومها، سجدنا مع من سجدوا، وصلينا مع من صلوا، ودعونا مع من دعوا أن يزيح ربنا الغمة، وألا يرد الجموع الهادرةإلا وقد شفا غلتها، وحقق مآربها، وقضى ما خرجت إليه، ولعل الهغ استجاب دعاء المصلحين، أو دعوة أم رءوم، وأم ثكلى دعت بحرقة أن يقتص الله لها، لقد جاءت قاصمة للظهر، وكاشفةً للستر وفاضحة العوار، فخرج من مصر ذليلاً مهاناً، تشبث بكرسيه فلم ينفعه تشبثه، واحتمى بجنوده فلم يغنوا عنه من قدر الله شيئاً، توسل إلى الشعب بتاريخه فلم يصادف ذلك أذنا تسمع، والتمس ثرى مصر مأوى له فلم تذرف عليه دمعة، وتلك نهاية كل طاغية.
إننا اليوم لسنا شامتين، لقد حققت الثورة هدفها الرئيس، ويبقى أن تحرس ما جنت، وأن تحافظ على مكتسباتها، يبقى أن ننطلق بنفس الحماس لنعيد لمصر مكانتها، يبقى أن ينطلق الشباب بهذه القوة والفتوة إلى ميادين العمل ليعيدوا مصر إلى سابق عهدها، تاج العلاء ودرة الشرق، إنَّ ما هو آت لا يقل بحال عن ما ماضى وسلف، إن مصرنا جديرة بريادة الدنيا كما كانت جديرة بأن تكون أما لها، مصر حاضرة التاريخ، وقبلة العلماء لا يصح أن تظل قابعة خلف أسوار الزمن، ولا يصح أن تكون خارج خارطة التأثير، آن لمصر أن تدفع القاطرة وأن تتصدرها، آن للشباب أن يقدموا لمصر ما يعلي من شأنها، فإلى العمل، وإلى الجد، وإلى غد مشرق وصباح وضاح، ترفرف على جنباته رايات الحرية، حمى الله مصر، أرضاً وسماء، وشعباً ووطناً.
د.إيهاب فؤاد

Monday, February 7, 2011

الفرج القريب


جفَّ مدادُ القلم أمام أحداث جسامٍ مابرحت تختلس من الدروب عنفوانها ،وتستمطر الموت فوق هامات الحفاة! وهى تمد أيديها المثخنة بالجراح، وتفتح ذراعها المبتور من الألم على حال أمتنا الثكلى، فتنصت الآذان وتُؤْخذُ الأعين! وهي لا تدري حتى الساعة بأي ذنبِ صمتت وبأى جريرة أُخِذتْ !!
إنَّ من بواعث الهمم، وتجديد العزائم، وانتعاش النفوس بعد اليأس ، أن نترقب فرجاً قريباً وأملاً أضحى قاب قوسين أو أدنى من التحقيق، أن نشعر أنه بعد كل ليلٍ طويل ، يأتي فجرٌ مشرق بنور الله،على يد كوكبة من المؤمنين الصادقين العاملين، المتجردين لله تعالى، كوكبة ينضوي تحت لوائها من تجرعوا مرارة الصبر على المحن المتتابعة ،ومشقة مجاهدة النفس، و من تفطرت أكبادهم قهراً حتى ظنوا أنَّ النصر أضحى ضرباً من الخيال، ثم مالبثوا أن عادوا إلى رشدهم ، و تألقت أرواحُهم أملاً فى يوم جديد على بقعة جديدة ، وليكن من تمام إيماننا وسلامة عقيدتنا أن نترقب نصر الله تعالى وأن نلتمس تمكينه فى الأرض، فى تحقيق ماكنا نصبوا إليه، ماكان بالأمس حلماً وأضحى حقيقة تراه العيان،ما كان بالأمس كخيوط الشمس الذهبية، لاتمسك به، حتى بتنا نترقب إطلاله ليجدد العزم..
لقد عشت حياتى أتأمل قمم الجبال وأرقبها بنفس نهمة شغوفة كى تتسلقها وتجتازها، فإذا ماواجهتني الصعاب أزلتها وأنا التمس من الله القوي العون والنصر والسداد، كم ليالى أمضيتها أقلِّب فى أمهات الكتب ، ثم أقلِّب وجهى فى السماء سائلاً المولى أن يلهمني رشدي وصوابي حتى أحقق ما أريد، كم دموع ذرفتها لقلة حيلتي ولضيق صدري ، فإذا برحمة الله تمسح حزني وتزيل همى...
كم أمل عاش يطاردنى فى ليلى ونهارى فأعمل مافى وسعى لأحققه فإذا ماحققته تطلعت إلى غيره...
لقد تنفست أريج الهمة من سير الصالحين والتابعين وتعلمت كيف يصبح المستحيل واقعاً من سير الأنبياء والمرسلين، فبت من ليلي وهمتى هى زادي، وعتادي، تعلمت فى مدرسة الهمة أنََََّ ترقب النصر هو مفتاح التمكين فى الأرض، وأن التبعة الملقاة على عاتق أهل الحق، أن لاتفتر عزيمتهم، وأن لايكلَّوا من العمل الدائم المستمر حتى تتحقق غايتهم، لأن وراثة الأرض تعني أن تتحقق الخلافة فيها ولن ينجح المستخلفون بعزائم واهية وقوى خائرة، فهى تحتاج إلى عزمٍ شديدٍ وإلى نفس لاتركَنْ ولاتُهادن، ولاتستريح حتى ترى مقعدها من الجنة،
صدق ربنا القائل فى كتابه الكريم: "وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ"
فالنصر يحتاج إلى جيل رباني، ينفض غبار النوم والكسل، يربط حبله بحبل الله المتين، يقوم حين ينام الناس، ويكتحل بالأمل حين ييأس الناس، ويزمجر حين يخبو صوت الناس، ويكون النصر بجيل يُقبل على العبادة وينهل من الطاعة وهو يستشعر التقصير،ويحبوه أملٌ في مزيد من القرب من الله ونُصبَ عينيه حسن الظن بالله تعالى، الربانية تعني في أبسط صورها أنَّ كل أمر مصدره الرب سبحانه وتعالى، والرباني هو الذي يلتزم ذلك المنهج في كل أمر من أمور حياته، قال تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً }النساء174
قال الله تعالى: كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران
79].
إنَّ الأمة أحوج ماتكون إلى رجال الليل الأتقياء البرره، الذين إذا أقسمَ أحدُهم على الله لأبره، بأمثالهم تنتصر الأمة، وبأمثالهم تعود الأمة إلى سابق عزها، والربانية تحتاج إلى عمل حقيقي، وإلى حسن توكل على الله، وإلى همة عالية، فطالب الجنة لا ينام.
د. إيهاب فؤاد

Friday, January 21, 2011

هيهات هيهات


مع كل سنة تمضي نخسر ألف عام، يفقد البسطاء أحلامهم في الحياة، يرفعهم الوهاد ، وتحطهم المهاد، تزداد غربتنا كلما اقتربنا من أوطاننا، بون شاسع وفرق هائل بين الذين يبنون صروحا في الحياة، وبين الذين يشيدون للآخرة خلودا سرمديا، وبين هذا وذاك مسافة هائلة، شتان بين النور والظلماء، لم أكن مبالغاً ولن أكون إن قلت أن قلمي تحجر عندما انطلقت انتفاضة العام الجديد، انتفاضة البسطاء، انتفاضة الجوعى، انتفاضة الفقر، الكبت، البحث عن الحرية، البحث عن أبسط حقوق الآدميين في الحياة والأمن، إنها ثورة ظلت حبيسة القلوب عقدين من الزمان، المصلحون غيبتهم يد البطش والطغيان، بنى الديكتاتور بين الناس وبين الدين حجابا ،قيد الحريات، أمعن في تهجير المخلصين من أبناء الوطن، وكان الرهان الأكبر أن ينتفض البسطاء، تساوى الموت مع مرارة الحياة فكم من أحياء يدبون الأرض لكنهم أموات، وكم من أموات يرتجلون كل يوم بيننا، جعلوا من حياتهم حياة لغيرهم، ومن دمائهم مدادا لأوطانهم، فكانت الثورات التي قدمت الأرواح عزيزة في سبيل الحرية، إننا بحاجة إلى وقفة جادة، وإلى دراسة متأنية، الرهان على الشارع لا يقبل المزايدة، الشارع يملك التغيير، غاب السياسيون، وغابت الأقلام عن حلبة الثورة، أنهى الشباب حياتهم وربما كان حلمهم لا يتعدى المطعم والملبس والمأكل، أرادوها كذلك فكانت أسمى من ذلك، والملفت هو هشاشة عظام الظلم والديكتاتورية، لم تقو على الصمود ساعة ، وهذا يفسر موقف تلك الحاشية التي تتخلى عن الحلبة حين يحتدم الصراع ويحمى الوطيس، الأقلام التي كانت بالأمس تسبح بحمد النظام تغيرت بقدرة قادر وانحازت إلى صفوف الجماهير، لعلهم هامان كل عصر، يزينون الباطل، ويجملون القبيح، ويفرشون بساطاً من الورود والحياة الحالمة، ويجعلون حول كل طاغية سياجاً يعزله عن الناس، ويحرمه صوت الجماهير، وأنا أتابع هذا الأمر لا أريد أن انفي ان المسئولية لا تقع علي الطغاة وحدهم ، فالقوم لهم ضلع فيما أقترف حين ركنوا الي الطغاة واتبعوا امرهم . قال تعالي عن مآل فرعون وقومه : " فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد.. يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود"(هود / 97،98) وقال تعالي : " فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قومًا فاسقين" (الزخرف/آية 54) وعن قوم نوح قال تعالي " قال نوح ربي إنهم عصوني واتبعوا ما لم يزده ماله وولده إلا خسارًا "( نوح/آية21 ).
ينبغي ونحن نلوم الحكام أن نراجع أنفسنا ... فنحن أيضا لسنا بمنأى من سوء العاقبة، وطرف أصيل فيما يجري، بل طرف مؤثر في احداث التغيير بنحر الفساد واقامة العدل واحقاق الحق ونصر الله تعالي في الأرض. أولم يكفنا أنا تعلمنا أن الانفتاح علي مباهج الدنيا وزينتها فقط دون زاد الآخرة هو بمثابة الرهان علي حصان أعرج خاسر؟.
لقد جاءت ثورة التغيير والتصحيح على أيد البسطاء، إنهم قنبلة موقوتة في مجتمع يبيت أهله على الطوى ويحملون هم النهار الذي تبزع كل يوم شمسه مع مطالب الأبناء، مع لقمة العيش التي تسد الرمق، وشربة الماء التي تروي الظمأ بينما نفر قليل يحتكر حياة البزخ، ويتمرغ في قوت السعب، أثروا على حساب البسطاء، تآمروا على إرادتهم، زيفوا كل أصل، وزوروا كل رأي، حين يفقد الناس يا سادة كل بريق في الحياة، لا يكون أمامهم سوى الموت، ولعلي أقول هيهات هيهات أن يفقد الناس الأمل في التغيير، إن الحذِر يؤتى من مأمنه، وإرادة الشعب أقوى من إرادة الطغاة والمتكبرين. رحم الله الدكتور مصطفي السباعي حين قال:
(لولا الطغاة لما عرفنا أدعياء الحرية من شهدائها، ولا أصدقاء الشعب من أعدائه، ولالتبس على كثير من الناس من بكى ممن تباكى.
وهذه حقيقة لا مراء فيها، فحين يجد الجد، يقول المخلصون كلمتهم، ويعرف الغث من السمين، ولعل أبلغ تصوير لسيكولوجية الطغاة هو حقدهم المدر على شعوبهم وعلى أمتهم‘ فإذ كان الحقد على المستوى الشخصي يودي بصاحبه فإن حقد الطاغية فإن حقد الطاغية يدمر الأمة تدميرا لأنه يذل الأمة ويفسح المجال لأعدائها، ويغيب إرادتها، ويشوه معالمها ووراء كل طاغية متكبر من ينفخ في أذنه، ومن يقوي من عضده، ومن يشد من أزره من الغرب رغم أن أمثاله في بلادهم لا تقام لهم قائمة، ويصلبون على أعواد المشانق ولكل طاغية حوارييه وندماؤه وجلساؤه، يصورونه للأمة بطلاً لا يغلب، ومناضلاً لا تشق رحاه، ولا يصدق هراءهم سوى سفهاء الأحلام والعقول، يتهافتون على موائد الطاغية ليسيرون مصالحهم، ويدافعون عن بقائه حفاظاً على وجودهم وحياتهم، فبقاؤه حياة لهم، وموته وئدا لأحلامهم وطموحهم الجامح، ولا يتهاوى على موائده إلا خفافيش الظلام التي لا تجيد العيش في وضح النهار، هؤلاء تدوسهم مواكب الأحرار، وهم كالفراشات التي تهوي إلى الضوء فإذا ما دنت منه احترقت، وحين يسقط الطاغية يكونون أول من ينتقده، وحين يعارضون هواه يكونون أول من يضحي بهم . فلا تعجب من مغمورين سلطت عليهم الأضواء، وبرزوا في وسائل الإعلام ، إنهم الذين يحرقون البخور، ويطبلون لها.
إن سكوت المصلحين يفسح المجال للطالحين أن يكونوا عوناً للطاغية، ولهذا حذرنا ربنا في كتابه الكريم بقوله ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة)، ولهذا فأكبر عقاب أن تبتلى الأمة بشرارها ليحكموها، وأول طريق التغيير والخلاص هو صوت الجماهير المقهورة، ونبض الشارع المغلوب على أمره، إنه بداية النهاية.
د.إيهاب فؤاد

Sunday, January 2, 2011

تأملات في مدينة الحب 1



من هنا نبدأ
منذ البدء، كان الحب عنوان البقاء ،ورسول السعادة وسبيل الحياة ، ليس لقوارب الكلمات قدرة للإبحار، أو الوصول لشاطئ الصدق دون تلك العاطفة التي تتأجج في نفوسنا فتحرك جوانحنا، وتبدد مخاوفنا، وتُسكننا ديار الأمن والسكينة، لقد بحثت عن الحب وفتَّشتُ في دواوين الشعراء ، وأساطير الأولين، وأرَّقني ذلك، ومع هذا أحاول أن أصل لبر الأمان في محاولة منى لجمع شتات قلوب الشباب على تلك المشاعر التي تفتح نوافذها لتيارات دخيلة، تلوث كل نظيف، وتعكر كل صفو، وتفرغ المشاعر من مقاصدها الجميلة وحكمها البالغة ، أتحسس بعكاز العقل حين تحار الأفهام وتختلط الأمور،بعيداً عن مؤثرات الهوى والميل الفطري كي لا أقع في حفر العاطفة الجامحة التي لا يضبطها ضابط ولا يهذبها سلوك ولا يحكمها خُلُق، وجوارح تنشد الكمال،وترنو إلى المعالي، لسانٌ ينطق، وعينٌ ترى، وقلبٌ يشعر، ويدٌ تمتد، ونفس تتمنع ،وخواطر تختلج،لقد اختلط الحابل بالنابل في دنيا المشاعر، وغدا الجميل قبيحاً بتشويه معالم الحب التي أرادها الله تعالى عنوان الحياة، وجعل المودة سبيل الحياة الوديعة ثم أحاطها بالرحمة، ولقد جاء الحب جملة وتفصيلاً ليسيطر على عقول الشباب والفتيات في مرحلة من العمر، هي أشبه ما تكون بحالة الفوران، تداخلت الأوراق ، وأصبح الذي لا يحب غريباً، أو ربما كان شاذاً عن القاعدة، فتفسخت الأخلاق، وذَبُلَت أوراق الفضيلة، وساعد على ذلك الإعلام الذي لا يبرح يعرض تلك المشاعر وقصص الغرام مابين مسلسلات وأفلام،و مقالات، وصور جعلت المجتمع لا ينكر مثل هذه الأخلاق، وروَّج لهذا غزو حثيث لشبابنا عماد الأمة وباعث نهضتها، ليتمكنوا من ضرب الأمة في مقتل،فغدا الشباب كالطيور التائهة المتسكعة في الظلمات، لا تعرف وجهتها ولا تدرى إلى أين تولى قبلتها، فتتركه المشاعر صريع الأحزان وأسير النزوات ، فأصبح الشباب بين هائم وعاشق وولهان،كمن يبحث عن عسل في عش النحل دون غطاء يستر وجهه، فلا هو حصَّل العسل، و لا هو خرج من ذلك العش سليماً معافىً !
إذا قلت حب، تفجرت المشاعر ينابيعاً، وبدت الذكريات واقعاً، ينقلك إلى عالم الفضيلة، والقيم النبيلة، إذا قلت حب، هبت رياح الأيام، وأطلت نسمات الربيع، وتمايلت أغصان الأشجار،وازدهرت الأوراق، واكتست الأيام بألوان من البهجة والسرور والحبور، إذا قلت حب .. حملتك الذكرى إلى صورٍ ومشاهد تستعصى على النسيان،وتتعالى على الآلام والأحزان، إذا قلت حب، فحدِّث عن حب فاق حدود النفس، وامتد أثره إلى القلب، فغيَّره، وبدَّله، وأسكنه قصوراً، وألبسه ديباجاً، إذا قلت حب ،عرضت لك صورة الطفل يهوى إلى أمه ، وصورة الأم التي تجسِّد معاني الحب في أبهى صوره، دون تكلف منها كما ورد حين قدِم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي فإذا امرأة من السبي تبتغى إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته ، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار ؟ قلنا : لا والله ! وهى تقدر على أن لا تطرحه .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لله أرحم بعباده من هذه بولدها ...إذ بالحب تحنو الناقة على الفصيل ، و تعانق الأغصان جذوع الشجر،وتتمايل الأوراق لتكسو الشجر بلون الحياة .. وتلثم الفراشة الزهر .. والعش يكتنف الطائر ..
إذا قلت حب .. هبت رياح الأمل .. وأطلت نسمات النقاء والصفاء .. وسرت الدماء في العروق ودياناً.. وتهلَّلت أسارير الوجوه .. وانقشعت الظلمات .. وأقبل نور الصباح وقد اكتسى بأشعة الشمس الذهبية، عالم من الخيال، وصور من نسيج الأيام، ومعاني تضرب بجذورها في أعماق النفس، تقتلع الإنسان من دنيا الناس، إلى دنيا صنعتها..أحلامه وآماله ورغباته، وفى هذا الخضم الهائل والجيَّاش غدا الشباب الطاهر العفيف عملةً نادرةً لكنا لانُعدم وجودها ، بل ونطمح في زيادتها،
د.إيهاب فؤاد

Monday, December 6, 2010

هذي جعبتي فرغت




يادرة الحسن هذي جعبتي فرغت
فالشوق في ذاتي كيف يُحتملُ
قوافلُ الحسن قد مرت بناحيتي
فما شغلت بغير الدين أحتفل
خواطري من لهيب الشوق قافية
ونار حزني على الإسلام تشتعل
قوافل الطهر قد فرت بقسورة
وزاد إيلامي دعاة الدين منتحل
في كل زاوية أقلام تنتصب
تهجو الخلوق وتزدري الوجل
أكفكف الدمع أخفي لوعتي أملا
وأحمل الخير علَّه يصلُ
ماذا أقول وفي قلبي صبابته
ودمع قلبي بخد الحزن ينهمل
ماذا أقول لولدي حين يسألني
عن الديار وقد حلت بها العلل
صبراً بني فإن الله ناصرنا
حتماً سيزوى من به خلل
غداً ستشرق فوق الأرض أمتنا
غداً تغرد فوق الدوح تشتمل
د.إيهاب فؤاد

Sunday, December 5, 2010

إنهم يحرقون أغصان الزيتون




بقلم: د. إيهاب فؤاد

لقد بتُّ من ليلتي وكأنَّ البكاءَ فالق كبدي، لا تهدأ لي عين، ولا يفارقها دمع، يقيمني الهمُّ ويقعدني؛ لا من أجل لعاعة من الدنيا، وإنما لحال وطن ملك علينا النفس والروح، عشت ليلةً أشبه ما تكون بكابوس يؤرِّق النوم، ويفضح المستور، رأيت الحرية تُغتال، وربما لم يكن هذا مستغربًا على وطن محبوس منذ ما يزيد على ثلث قرن من الزمان، صلينا مع من صلوا، ودعونا مع من دعوا؛ أن يرفع الله الغمَّة عن مصرنا الحبيبة، حتى باتت أحلامنا أقرب للإمساك بخيوط الشمس منها إلى الحقيقة الواعية!.

لقد عزفت عن الكتابة حتى أقضَّ مضجعي مشهدُ تزوير إرادة الأمة واغتصاب حريتها؛ ليخرج من بين فرث ودم برلمان، يخلو من صوت المعارضة الذي يحمل نبض الشارع، كنت أتوقَّع تسويد البطاقات، وتزوير الإرادة، لكنْ لم يخطر لي ببال أن تكون إلى هذه الدرجة المقيتة، بقدرة قادر يتحول الحزب الذي أتاهَ مصر في غياهب الديون، وأهدر أحكام القضاء، واغتال الحرية عن عمد، ودمَّر الصحة العامة، وأغرق الشعب المسكين في البحث عن لقمة العيش، ومن لم يجد في وطنه لا هذا ولا ذاك، التمس وطنًا غير الوطن، يشعر فيه بآدميته، ويرى فيه مكانه، يتجرَّع آلام الغربة، لكنها تهون إذا ما كان الوطن كابوسًا مفزعًا، وإذا ما كانت لقمة الحرية عملةً نادرةً فيه، وتساءلت- ومعي تساءل الشرفاءُ من أبناء هذا الوطن: لماذا تدفعون الوطن إلى الهاوية؟ ومن المستفيد؟ لماذا تُصرون على كبح جماح كل تيار حر مستقل؟ لمصلحة من تدفعون الشباب إلى الفوران؟! هل تظنون أنها هي الطريقة المثلى ليفقدوا الأمل في التغيير؟!

يا سادة إن مدبر الكون عليم خبير، وإن ما نقدره على غير ما يقدره خالق الأرض والسماء، وأنا لا أعفي بحال المواطنَ الذي استكان للظلم، ولم يدافع عن حقه، ولا أدعو إلى ثورة تحرق الأخضر واليابس، لكنني أدعو إلى العقل والحكمة، وإلى فضح المستور وكشف العُوَار، وإلى وقفة ضد ما حدث، والذي يعدُّ خطوةً في مسلسل التوريث المرتقب، فمصرنا ليست قطعة أثاث تورَّث، وحريتنا ليست مطروحةً على طاولة المزاد العلني.. أنا لا أعفي كل مواطن تقاعس عن المسئولية، وألوم في الوقت ذاته أولئك الذين يعتقدون- مخطئين- أنهم بابتعادهم عن الساحة إنما يسلمون.

وفي الواقع إننا ندفع ضريبة الذل والهوان والتفريط في حقوقنا، ولعل أوضحها ظهورًا الاستهانة بأصواتنا وما نريد، ولعلي هنا أُذَكِّرُ بما قالها الشهيد سيد قطب رحمه الله: "بعض النفوس الضعيفة يخيَّل إليها أن للكرامة ضريبةً باهظةً لا تطاق، فتختار الذل والمهانة هربًا من هذه التكاليف الثقال، فتعيش عيشةً تافهةً، رخيصةً، مفزعةً، قلقةً، تخاف من ظلها، وتَفْرَقُ من صداها، (يَحْسَبُوْنَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ) (المنافقون: من الآية 4).. (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ) (البقرة: من الآية 96).

هؤلاء الأذلاَّء يؤدون ضريبةً أفدح من تكاليف الكرامة.. إنهم يؤدون ضريبة الذل كاملةً، يؤدونها من نفوسهم، ويؤدونها من أقدارهم، ويؤدونها من سمعتهم، ويؤدونها من اطمئنانهم، وكثيرًا ما يؤدونها من دمائهم وأموالهم وهم لا يشعرون" أ.هـ.

إننا اليوم ندفع ضريبة الجدران التي أدمنَّا السير بجوارها، والآذان التي أرعبتنا دهرًا حتى لا يُسْمَعُ صوتنا، اليوم تزوَّر الإرادةُ دون أدنى رادع، وتستباح الكرامة بوجه كالح، قاضٍ هنا يُحبَس، وداخلية هناك لا تنفِّذ أحكام القضاء، وأحكام هنا لا يقام لها وزن.

إنَّ الخائفين من صناديق الاقتراع ليسوا أهلاً لحمل الأمانة.. إن المزورين لإرادة الأمة هم العدو اللدود، وهم حجر عثرة أمام كل خطوة للتقدم، فكيف يؤتمن هؤلاء على إقرار الميزانيات، وسن القوانين، واعتماد الدساتير ووجودهم يتنافى مع الدستور، ويخرق القانون.. إنهم لا يحرقون فقط أوراق الزيتون، إنهم يشعلون الأرض تحت أقدامهم، ويؤججون النار في الهشيم.

ويبقى أن أقول لكل من تقدم لحمل الأمانة كما قال ربنا (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿139﴾) (آل عمران)

لا تحزنوا إن بذلتم الوسع ولم تروا ثمرة النتائج؛ فهذا قدر الله، احتسبوا كل وقت عند الله، واحتسبوا ضريبة الحرية عند الله، ولن يضيع سدى، وأقول للمتحمِّسين: إنَّ قدر الله غير ما نفكر، وإنَّ كل ما بذلتموه لن يضيع هباءً، ضمِّدوا الجراح، ويكفيكم أنكم قدمتم ما استطعتم والله لن يتركم أعمالكم، وأقول لمن سرقوا الإرادة وحموا المزورين: الدنيا أقصر مما تتخيَّلون، والوقوف بين يدي الله قريب، والحساب عند الله يكون لكل من اقترفت يده إثمًا وحده، لن يكون هناك واسطة، مهما طال العمر فهو قصير، ومهما كانت القوة فهي إلى خوار، إلى الله نشكوكم في يوم لا ينفع فيه ندم، وفي يوم لا تُرَدُّ فيه المظالم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.