Tuesday, November 17, 2009

ابتسم يا هذا !



على ضفاف الذكرى ترقد أيامنا عطشى لزمن كانت الابتسامة فيه منبعَ حياة، كنا نركض لا نحمل للدنيا هماً، ولا ينغص عيشنا سوى الحرمان من اللعب فذلك أقسى عقاب يمكن أن يناله طفل، تعلَّمنا أن نبتسم ليبتسم كلُّ شي من حولنا، ولتبتسم لنا الحياة، وما أقسى قلوب أولئك الذين يودعون الابتسامات غياهبَ الجُب، يتجهمون حين ينزل الفرحُ ساحتهم،لا تفارق الوجهَ العبوسَ ملامحُ الغضبِ الدائم، وأمام تلك الصورة تستوقفنا صورة أناس يُرغمون أبناءهم على الابتسامة للحياة، إنهم يصنعون ابتسامة أشبه في صياغتها بوردة صنعها الصانعون بأيديهم، إنها لا تضارع وردة الروض التي أبدعها خالق الكون العظيم، نتساءل حين تغيبُ البسمة متعجبين ولا نبحث عن أسباب غيابها، ربما لو فتشنا عن سبب الداء، لَعَنَّ لنا الدواء، لماذا لا نعيش سيرة أشرف الخلق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم؟ لقد كان يحمل هم الدنيا بأسرها، ويشغله أن يُعبِّدَ الأرض لله رب العالمين، غزواتٌ تلو غزوات، أحداث ومؤامرات، وهو مع هذا زوج محب، وأب رحيم، وصديق ودود، يهابه ويُجله من يجالسه أو ينظر إليه، حتى قال عمرو بن العاص رضي الله عنه فيما رواه مسلم: ( وما كان أحد أحب الىّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولا أجلّ في عيني منه وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له , ولو سُئِلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه ) .، نسمات علوية تهز أعطاب النبات، ونسائم أنقى من الماء الفرات، لقد كان مع شغله مبتسماً، وهو القائل": تبسمك في وجه أخيك صدقة،لقد كانت يتعامل مع المواقف بابتسامة رقيقة، وقلب يملؤها حب الله جلَّ وعلا، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم جمعة ، فقام الناس فصاحوا وقالوا : يا رسول الله قحط المطر ، واحمرّت الشجر ، وهلكت البهائم ، فادع الله أن يسقينا ، فقال( اللهم اسقنا ) مرتين ، فنشأت سحابة وأمطرت ونزل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المنبر فصلى ، فلما انصرف لم تزل تمطر إلى الجمعة التي تليها ، فلما قام النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب صاحوا إليه : تهدمت البيوت ، وانقطعت السبل ، فادع الله يحبسها عنا ، فتبسّم النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قال : ( اللهم حوالينا ولا علينا فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت ، فجعلت تمطر حول المدينة ولا تمطر بالمدينة معجزةً لنبيه - صلى الله عليه وسلم - وإجابةً لدعوته لقد كانت الابتسامة ولا زالت رسولاً للقلوب . لماذا لا نجعل لنا ورداً من الابتسام، وقسطاً من الراحة، لا نطيل حتى لا تكون مقعدة، لكنني أقصد أن نستريح من أعباء الحياة، وأن نُطلِّقَ هموم الدنيا، وأن نتعالى فوق ما يواجهنا من صعاب ، وأن نسلم لله زمامَ أمورنا، إن أقبلت الدنيا أو أدبرت، وإن أضاء الكون أو أظلم، وإن نزل البلاء أو حل الرخاء، لنبتسم لما يصيبنا، ولمن آذونا، ولمن أساءوا إلينا، أليس ما عند الله خير وأبقى؟

Sunday, October 25, 2009

إلى الحبيب خلف الأســــــوار


إلى كل حبيب قيَّده ظالم، وغيبه عن بيته من لايرقبون في مؤمن إلَّا ولا ذمة، إلى حبيب القلب الذي أرَّقني نبأٌ اعتقاله، رفيق الصبا، وشقيق الدرب،الحبيب عصام شرف الدين، حقيق أنني لم أجزع لاعتقال أحدٍ كما جزعتُ لاعتقال مصعبَ هذا العصر، إنه الفتى الرقيق المدلل،الذي كنا نقول له مداعبين متى يأتي علينا التجنيد الإلزامي لنرى فيك يوماً فترى شظف العيش، وكنا نمازحه بذلك، حتى أنه حين تعرض لذلك وتطاول عليه الشاويش، ضربه فأسال دمه، ولم يكن له من مخرج سوى أن يرضيه، يومها أمره أن يزحف داخل طرقات دورة المياه، يومها أسرع إلى أبيه وقال لن أذهب مرة أخرى، لقد كان أبوه من أبطال أكتوبر الحاصلين على وسام الجمهورية والحاصلين على نوط الشجاعة، ودارت الأيام دورتها، وتعاقب الزمن، ومات السند، والده الكريم، وقبله بعامين ودَّعت الكريمة أمه الحياة،وتقلبت الأيام، ولما قرأتُ نبأَ اعتقاله هزني ذلك، فأسرعت أتصل هاتفياً، حتى يسَّرَ الله لي أن اهاتفه، وتحدثت معه، فوجدته مبتسماً، فقلت له صبراً أيها الحبيب، وتذكرت قول ربي جل وعلا :
وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (إبراهيم)
لو بلغ بنا الأذى مبلغه، لو قيدونا، وسجنونا، لو اختطفونا من بين أبنائنا، وزوجاتنا ، وأهلينا، لو روعوا الصغار، ولو تطالوا على حرمات بيوتنا، فلا يزيدنا ذلك إلا صبراً..
أيها الحبيب أذكرك بقول الله تعالى:
( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً)
ولعلَّ ما يريح القلب وتسكن إليه النفس ، قول الله عز وجل:
(قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون)
والحقيقة أن من سلّم لله أمره، واستسلم وعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتبه الله تعالى له هو أسعد الخلق على ظهر الأرض.
أوصيك أيها الحبيب بدعاء سيدنا يونس عليه السلام: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)
أكثر من قول ( حسبنا الله ونعم الوكيل )
إن في الصلاة راحة القلب، وسلامة النفس، وسكينة الجوارح، قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة، إن الله مع الصابرين)
عليك بسهام الليل، عليك بالدعاء، فإنه سِرٌ من أسرار تمكين الله عز وجل للعبد
اطرق باب ربك بدعوات في جوف اللليل، وركعاتٍ في ظلام الليل، أسلم لله قياد أمرك، وأخلص لله نيتك ودينك، وتذكر أخي نفسك وإخوانك بدعوات بظهر الغيب فإنَّ العبد أقرب مايكون من ربه حين تنزل به المحنة،ويحل عليه البلاء، فلا تنسنا يا أخي أنت من دعائك، تمسك بحبل ربك واسأله التثبيت، وعليك بدعاء حبيبك محمد( يا مقلِّبَ القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك، قال الله تعالى :
ألم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين))، وقال: ((أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء، وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب))، وكان التأكيد أشد في قوله: ((لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً، وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور))
إنه طريق الرسل والأنبياء، طريق الصادقين، طريق ليست مفروشة بالورود ولا الرياحين، لكنها مفروشة بجهاد المجاهدين، فثباتهم على الطريق انتصار لهم، ومضيهم قدما في دعوتهم رغم ما يحاك بهم من غير تراجع دفقة في شرايين الأمة،وسيعلم الظالمون حين تطول وقفتهم بين يدي الله تعالى في يومٍ لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، كم من جرم ارتكبوه يوم اقتحموا البيوت على رءوس أصحابها، يوم روعوا الأطفال ، وانتهكوا حرمات البيوت، في وقت يرتعُ فيه قتلةُ الشعب آمنين، يُحبَس أصحاب الدعوات، ويُطلَق اللصوص، إنها شريعة الغاب في زمن انقلب فيه الهرم، فأصبح الشريف متهماً، وأصبحت السجون مأوى لخيرة أبناء الأمة..
إن سجَّانك يا أخي مسجونٌ خلف قضبان سلطانه، ومخدوع بمن حوله، إنه محبوس في نفسه، أمَّا أنتَ فليس لأحدٍ على روحك سبيل أو سلطان إلا خالقها.
التفتْ إلى مَن حولك مِن الناس جميعاً؛ هل تجد فيهم إلا مصاباً، أو مبتلى، أو مهموماً، أو مغموماً؛ إما بفقد حبيب، أو بغياب عزيز، أو بنزول مرض، أو بسماع فاجعة، أو بغيرها من البلايا، ولا يعني هذا غضب الله عليهم، ولقد كان أكثر الناس بلاء الأنبياء، والسائرون على دربهم يتعرضون لما تعرضوا لهم، غنه استعلاء الروح فوق كل مايكدر صفوها، وماينغص عليها سبيل سعادتها وغداً يرى الظالمون سوء فعلتهم فيا كل مَن أوذي، يا كل مَن ظُلم، يا كل من قُهر، يا كل من أصيب بمصيبة، يقول الله تعالى:
( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)
صبراً أخى فى محنتي و عقيدتى ***** لا بد بعد الصبر من تمكين
و لنا بيوسف أسوة في صبره ***** و قد أرتمى بالسجن بضع سنين
هون عليك الخطب لا تعبأ بهم ***** إن الصعاب تهون بالتهوين
ستسير فلك الحق رغم أنوفهم ***** و يذل كل منافق و جبان
بالله مجراها و مرساها ***** فهل تخشى الردى و الله خير ضمين
سنعود للدنيا نطب جراحها ***** سنعود للتكبير و التأذين
يقسم الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الفرج قريب وأن النصر آت، حيث رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في أشد المواطن، وفي يوم يُعدُّ من أحلك الأيام،حيث تجمع عليه الأحزاب من كل صوب وحدب وهو يوم الخندق الذي قال الله فيه: {إِذْ جاؤُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا (*) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً}، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده ليفرجنّ الله عنكم ما ترون من الشدة، وإني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق آمناً، وأن يدفع الله عزَّ وجلَّ إليّ مفاتيح الكعبة، و ليهلكنّ الله كسرى و قيصر و لتنفقنَّ كنوزهما في سبيل الله.
.
قال مسروق رحمه الله: كان رجل بالبادية له حمار وكلب و ديك، و كان الديك يوقظهم للصلاة، و الكلب يحرسهم، و الحمار ينقلون عليه الماء و يحمل لهم الخيام. فجاء الثعلب فأخذ الديك، فقال الرجل: عسى أن يكون خيراً، ثم جاء ذئب فمزق بطن الحمار و قتله، فقال الرجل: عسى أن يكون خيراً، ثم أصيب الكلب بعد ذلك، فقال الرجل: عسى أن يكون خيراً. ثم أصبحوا ذات يوم فنظروا فإذا قد سبي من كان حولهم و بقوا هم سالمين، و إنّما أُخذَ هؤلاء بسبب أصوات الكلاب و الحمير و الديكة، وكانت نجاتهم في هلاك ما عندهم.
صبراً أخي فدولة الباطل ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة...

د. إيهاب فؤاد

Thursday, October 8, 2009

الله موجود

ما أجمل بساطة المصري وهو يسفر عن إيمانه في قلبه بكلمات بسيطة وعبارات موجزة، إذا ظلمه ظالم، قال الله موجود، وإذا تجبر عليه أحد قال الله موجود،وإذا سلبه أحد حقاً من حقوقه قال الله موجود،إنها ببساطة وسلاسة ويسر
سحابة من رحمة تظل المؤمن كلما استشعر أن الله موجود، إنها تعني أن العدل موجود، وأن الرحمة موجودة، وأن الخير في ركاب البشر موجود، وأن السلام موجود، وأن السكينة موجودة، إنها تعني بقاء الخير أبد الآبدين، واندحارالشر إلى غير تمكين، الله موجود، ما أجملها من كلمة، ترطب الفؤاد، وتثلج الصدر، وتزيل الهم، وتدحض الضجر، وتفرغ القلب من كل شاغل يشغله، فالعدل أساس الملك، والرحمة ميزان الحكم، فوجود الله تعني مغفرة الذنوب، وستر العيوب، وقبول التوبة مالم تغرغر، إنه شعور الواثق في كرم من لايتصف بعظيم الكرم سواه، وجود الله يعني أن تعمر الأرض بذكره، وأن تسبح الملائكة بحمده، وأن يعم المعمورةَ كرمُ فضله، فما أعظم الخالق الموجود
أيها الساكن بين عناكب الهموم هوِّن عليك النفس، وارح منك القلب فالله موجود
أيها القابع خلف غيوم الحياة، (إن مع العسر يسرا
وجود الله يشعرك بركنه العظيم، وجواره الذي يعلو فوق كل جوار
إنه جوار يجعلك لاتحزن على شيئ مضى، ولاتفرح لما هو آت، وإذا دهمه مايكرهه قال بلسان الحال والمقال" وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون
وهو لا يتطلع إلى مافي يد غيره وحاله"أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون (المؤمنون
فهو يتقلب في فضل الله تعالى، ويستنشق عبير كلامه الذي تهدأ في ظلاله النفس" ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير...لكى لا تأسوا على مافاتكم ولاتفرحوا بما آتاكم والله لايحب كل مختال فخور (الحديد)..
ويعود النور يحلق في جنبات النفس المؤمنة وهي تستشعر وجود الخالق العظيم، مدبر الكون، ومسير الخلق
)إنه نور يرشد صاحبه حين يتخبط غيره في ظلمات الجهالة، ويأخذ بيد صاحبه حين تتكالب عليه المحن وتتناوب عليه الآهات فتجعله يشعر أن كل محنه لن تذهب سدى إذا تلقاها المؤمن صابراً محتسباً غير ضجر ولا متأفف، وأن دموعه لن تضيع هباء إذا سحت من خشيته، وإذا رفعت لله مظلمته وعبرت عن خشيته، وأن صبره لن يذهب أدراج الرياح إذا احتسبه لله،وأن محنَه منحٌ ربانية، ونفحات علوية، فالله يحب أن يسمع مناجاتك وأن تبثه شكواك في تسليم مطلق لإرادة علوية تصحبك مشيئته، وتسيرك قدرته
فهوِّن النفس فالله موجود
واستكثر من الخير فالله موجود
وتصالح مع النفس فالرحمن موجود
وسلِّم لله قياد أمرك، ولاتنم من ليلك وفي قلبك ضغينة لأحد
واطمع في كرم ربك وعظيم فضله، وجزيل عطائه، فهو يعطي بلا حساب
وينعم بلا أسباب، ويغير الحال من حال إلى حال بين طرفة عين وانتباهتها
سبحانك وبحمدك، لانحصي ثناء عليك، ولا حول ولا قوة إلا بك
د.إيهاب فؤاد

Friday, October 2, 2009

وانطفأ المصــــــباح



سيطر عليَّ هاتفٌ أن أبحث عنه، أن أحادثه، غلبني شوق جارف لحبيب لم أره منذ ثلاث عشرة سنة !!
باعدتنا الأيام، تقلبنا على جمر الشوق، وامتطينا صهوة الكفاح، نصارع هنا، ونغالب الشوق هناك، كل قد خرج يطلب هدفاً ويأمل أن يحقق غاية، التقينا في مطلع التسعينات، جمعتنا أيام جميلة، كنا نمارس كرة القدم التي كان عاشقاً لها، وإذا ما فرغنا عدنا إلى حيث يجمعنا سكن جميل، ثم يحمل كل منا الكرة على رأسه ونتبارى في عدد المرات التي يمكن أن تستمر الكرة على الرأس دون أن تسقط، لقد كانت المرات بيننا سجال، مرة له ومرة لي، عرفته أخاً صادقاً وفياً، تعرضت يوماً لمحنة جعلت ضعاف النفوس الخائفين على أرزاقهم يخافون أن يلقوا عليَّ السلام، كان ساعتها جسوراً، شعر بما أشعر به من ألم الأصدقاء الذين يغيِّرون وجهةَ سيرهم حتى لا يقابلونني خوفاً على أرزاقهم، قال لي يومها دعك منهم، استضافني ثلاثة أيام وأقسم يومها أن أكون ضيفاً عليه حتى أغادر، زرته بعد عودتي، وتركتُ له كتابَ الله أغلى هدية وقد كتبت عليه سطوراً قليلة قلت له ستذكر كلامي يوماً، ومضت الأعوام، وتتابعت السنوات، قلتُ لماذا لا أتصل به، لقد انقطعت أخباره عني، وانقطعتُ عنه سنوات طويلة، حصلت على هاتفه عبر الشبكة العنكبوتية، رفعت السماعة زهرة صغيرة، فقلت لها الأستاذ مظهر موجود؟ تركت السماعة وسمعت صوتاً آخر يرد عليَّ، قلت لها هل هو موجود؟
قالت لا، قلت لها وأين هو؟ هل سيعود بعد قليل ؟ قالت لا، لقد توفي، فأسقط في يدي، قلت لها هل هذا بيت فلان؟ قالت نعم، قلت لها، أخوه فلان؟ قالت نعم، قلت لها أعتذر كثيراُ، قالت لقد توفي منذ عامين، فتألمتُ ألماً شديداً، وتركتُ الهاتف من يدي بعد أن قدَّمتُ اعتذراً ملؤه الأسى والحزن، لقد نكأتُ جراحها، لقد كانت زوجته
اعتذرت وأطرقت على الطاولة وأنا أتذكر شريطَ ما كان بيننا..
لقد ماتَ الحبيب مظهر، عن شبابه حدِّث ولا حرج، وعن لياقته البدنية حدِّث ولا حرج، وعن صحته حدِّث ولا حرج، لقد ما تَ الحبيب، لم أستطع أن أسأل عن سبب وفاته لشعوري أنني نكأت جرحا في قلب زوجة أسأل الله أن يرعاها وأن يرعى أبناءها، لكنه مات، وهكذا يموت كل شيء ، كل جميل في حياتنا سرعان ما ينقضي، كل جميل سرعان ما يمر مرور الكرام...
لهفة قلبي على الحبيب مظهر مصباح إبراهيم، ماخطر ببالي أن أتصل لأسأل عن حاله فيفجعني نبأُ موته، آه ما أقسى الحياة، وما أشدَّ ألم الفراق !!
أيها الموت !! يا مفرق الأحباب، ياهادم اللذات، ومفرق الجماعات، كم يصرعنا كل يوم نبأُ فقدِ حبيب
لقد ارتعدت فرائصي، مات الحبيب، صرخات تجلجل في جنبات نفسي، لوعة وحرقة في قلبي، مرارة في حلقي، ألم وغصة، وبين طيات الدموع التي سحَّت على وجنتي كانت الدعواتُ بأن يرحمه الله رحمة واسعة، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يبارك له في ذريته، اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه، وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاته
اللهم اجمعنا به في ظل عرشك ومستقر رحمتك، يارب ! أنت أرحم به من خلقك فارحمه رحمة لا يشقى بعدها، واسقه بيد حبيبك محمد شربة لا يظمأ بعدها.
رحمك الله رحمة واسعة....

Tuesday, September 29, 2009

فيض القلم



Sunday, September 20, 2009

يوم الجــــــــائزة

يوم الجائزة

أصل الكلمة
العيد: هو كل يوم فيه جمع، وأصل الكلمة من عاد يعود، قال ابن الأعرابي: سُمِّيَ العيد عيدًا لأنه يعود كل سنة بفرحٍ مجدد.[1]. وعيد الفطر سمي كذلك لأن المسلمين يفطرون فيه بعد صيام رمضان.
عن أنس رضي الله عنه أن النبي لما قدم المدينة وجدهم يحتفلون بعيدين، فقال: كان لكم يومان تلعبون فيهما، وقد أبدلكم الله بهما خيرا منهما، يوم الفطر، ويوم الأضحى } [رواه أبو داود والنسائي]. والعيد شعيرة من شعائر الإسلام ومظهر من أجل مظاهره.. قال تعالى: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32.
ومن مشاهد السرور بالعيد بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ما فعله الحبشة ، حيث اجتمعوا في المسجد يرقصون بالدرق والحراب ، واجتمع معهم الصبيان حتى علت أصواتهم ، فسمعهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فنظر إليهم ، ثم قال لعائشة : "يا حُمَيْراء أتحبين أن تنظري إليهم ، قالت : نعم ، فأقامها - صلى الله عليه وسلم - وراءه خدها على خده يسترها ، وهي تنظر إليهم ، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يغريهم ، ويقول : دونكم يا بني أرفدة ، لتعلم يهود أن في ديننا فسحة ، إني بعثت بالحنيفية السمحة" .

لا تنغصوا فرحة العيد
إنني أعتب على أولئك الذين يستغلون مناسبة العيد لينكأوا جراح الأمة،وبدلاً من أن يدخلوا عليها السرور، يحولون فرحهم حزناً،وهذا ليس من باب الإحتفال بالعيد، فلماذا نعكر صفو يوم العيد،أما كفانا طوال العام ما نمر به من هم وغم ، ومحن وابتلاءات، فليكن العيد فرصة لنستشعر الفرحة، ولتعيش الأمة الفرحة التي أراد الله تعالى لها أن تعيشها في أيام العيد، ولعلى أذكر في هذا الموقف عروة بن الزبير رضي الله عنه ،قطعت رجل عروة بن الزبير ومات ولده فقال" اللهم إنك أخذت عضواً وأبقيت أعضاءً، وأخذت ابناً وأبقيت أبناء فلك الحمد، ونحن نقول: لئن حلت بنا محن فقد أبقى الله لنا منحاً، ولئن أصابتنا نقم فقد أبقى الله لنا نعماً " وإن تعدوا نعم الله لا تحصوها"،ذكر الدكتور عبدا لوهاب الناصر الطر يري معلقاً للعيد فرحة فلا تقتلوها ونحن أحوج ما نكون إلى أمل يدفع إلى عمل ، وفأل ينتج إنجازاً ، أما المهموم المحزون فهو غارق في آلامه ، متعثر في أحزانه ، مدفون في هموم يومه ، لا يرجو خيراً ولا يأتي بخير ، والله غالب على أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون أ.هـ. .
آداب العيد
التكبير: يشرع التكبير من بعد غروب الشمس ليلة العيد إلى صلاة العيد، قال الله تعالى: وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:185]. وصفته: ( الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد ) ويُسَن جهر الرجال به في المساجد والأسواق والبيوت إعلاناً بتعظيم الله وإظهاراً لعبادته وشكره.
روى ابن أبي شيبة بسنده عن الزهري. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم الفطر فيكبر حتى يأتي المصلى وحتى يقضي الصلاة، فإذا قضى الصلاة قطع التكبير، ) إسناده صحيح. وهو مرسل، وله شواهد يتقوى بها)..
ثانياً: الاغتسال والتطيب للرجال ولبس أحسن الثياب أما المرأة فيشرع لها الخروج إلى مصلى العيد بدون تبرج ولا تطيب، وأن تتجنب المرأة الاختلاط، وأن تحذر من أن تتعطر وهى خارجة لتصلى العيد.
ثالثاً: أكل تمرات: وترا ثلاث أو خمس قبل الذهاب إلى المصلى لفعل الرسول .
رابعاً: الصلاة مع المسلمين وحضور الخطبة: والذي رجحه المحققون من أهل العلم من شيخ الإسلام ابن تيمية، وغيره: أن صلاة العيد واجبة ولا تسقط إلا بعذر، والنساء يشهدن العيد مع المسلمين حتى الحيض، ويعتزل الحيض المصلى.
خامساً: مخالفة الطريق: يستحب الذهاب إلى مصلى العيد من طريق، والرجوع من طريق آخر لفعل النبي صلى الله عليه وسلم.
سادساً:العيد فرصة للتزاور وصلة الأرحام،وتبادل التهاني، والتصافي بين المتخاصمين.
العيد والمسلمون في أرجاء الأرض
هل نستشعر طعم العيد، وجراحات المسلمين تنزف،جراحهم مثخنة،وفى كل بيت نجد جرحاً غائراً، أوصال ممزقة، وأثواب مهلهلة، وكلمة متفرقة،ودماء فى كل مكان، وفقراء هنا وهناك، ومرضى هنا وهناك، وجوعى هنا وهناك،يأتي العيد على نساء ترملن، وأطفالٍ يُتِموا، فهل نشعر بهم، ونمسح على رءوسهم ونذكرهم ونحن نقبل أبناءنا، ونهنئ أحبابنا؟ إننا في حاجة إلى أن يجتمع الصف، وتتوحد الكلمة، وكما يجمعنا العيد،تجمعنا إخوة الدين، والعرق، والدم، وتعيش الأمة من أقصاها إلى أدناها مشاعر واحدة، وأفراحاً واحدة، وهموماً واحدة ولقد وصف أحدهم قدوم العيد فنكأ الجراح قائلاً

عِيدٌ بأية حالٍ عُدتَ ياعيد ....... بأدمع القهر أم للموت تهديدُ
أم يحمل الليل في أثوابه كفناً ......أم يطبقُ التربَ فوقَ الهامِ تلبيدُ
أم يحشرُ الناسَ بؤسٌ فى جنازتنا .....وبملأ الكون بالآهات تعديدُ
تدمي القلوب فما تنفك راعفة .......فى كلِ حينٍ لها بالقرْحِ تجديدُ
كيفَ السبيلُ إلى الأفراحِ فى وطنٍ .......يزداد بؤساً إذا ما أقبل العيدُ
وكيف نعشق بعد اليوم أغنيةً .......وكيفَ تحلو لنا بعـدُ الأناشيـدُ
ويشربُ الناسُ فى أعيادهم عسلاً .......وعندنا الصابُ في الأعياد محمودُ

متى نستشعر أننا أمة واحدة، إنْ لم نستشعر ذلك في رمضان، وفى الحج فمتى نستشعر؟ هل يكون رمضان بدايةً جديدة لأمة جديدة، أمة على قلب رجل واحد، يجمعها دينٌ واحد، وتجمعها قِبلةٌ واحدة، ويعبدون جميعاً الله الواحد ،حين نستشعر ذلك تعود الأمة إلى سالف مجدها، وسابق عزها ، ساعتها نستشعر العيد، وفرحة العيد، ويوم العيد .
ويوم يأتي العيد نكون قد كسرنا حاجز النفس وسلطانها، وحاجز الشهوة وإغرائها، ساعتها يكون عيدنا حقيقياً، رحم الله بن القيم حين قال:
في النفس كبر إبليس، وحسد قابيل، وعتو عاد، وطغيان ثمود، وجرأة نمرود، واستطالة فرعون، وبغي قارون، وقحة هامان..
قال بعض السلف : خلق الله الملائكة عقولاً بلا شهوة ، وخلق البهائم شهوة بلا عقول، وخلق ابن آدم وركَّبَ فيه العقل والشهوة ، فمن غلب عقله شهوته التحق بالملائكة ، ومن غلبت شهوته عقله التحق بالبهائم أ.هـ.
حين تغلب عقولُنا شهواتِنا نستشعر معنى العيد، ونستشعر إخواننا في شتى بقاع الأرض ولعل رمضان كان منحة ربانية تغلبت فيه العقول على الشهوة فهذبتها،وروَّضتها....
الست من شوال
يستحب البدء بصيام الست من شوال بعد العيد مباشرة ؛ لأن ذلك من باب المسارعة إلى الخير . قال تعالى ( وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) آل عمران
قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: {من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر} [رواه مسلم وغيره]. قال الإمام النووي - رحمه الله -: قال العلماء: (وإنما كان كصيام الدهر، لأن الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر، والستة بشهرين..).
ونقل الحافظ ابن رجب عن ابن المبارك: (قيل: صيامها من شوال يلتحق بصيام رمضان في الفضل، فيكون له أجر صيام الدهر فرضاً).
قيل لبشر الحافي - رحمه الله -: إن قوماً يتعبدون ويجتهدون في رمضان. فقال: (بئس القوم قوم لا يعرفون لله حقاً إلا في شهر رمضان، إن الصالح الذي يتعبد ويجتهد السنة كلها).

تذكر أن تتعلم في يوم العيد حسن الدعوة التي تؤلف القلوب، وتعبِّد الناس لله رب العالمين، كن لينَ الطبع، رقيقَ القلب، أواباً، تواباً، ولله در القائل

بحسن الوعظ تمتلك القلوب***وصخر الطبع من لين يذوب
فقل للمسرفين ألا رجعتم *** فإن الله يقبل من يتوب
ورحمته لأوسع من خيال***ولو كثرت من العبد الذنوب

د.إيهاب فؤاد


[1] لسان العرب 3-319

Thursday, September 17, 2009

دمــــــــوع الرحــــيل



أيها الراحل مهلاً قد أثرت النفس بكريم خصالك، أيها الذاهب إلى رب ليكون شاهداً ترفق،وتمهل، توشك القلوب أن تنخلع لفراقك،ويوشك الألم أن يقطع نياط القلوب،كم عهدناك طريقاً للخلاص والتحرر من قيد الذنوب،أيها الراحل رفقاً بقلوب هدَّها شوق إلى رب كريم، كم أسلنا العين،واغتسلنا من خطايا الآثمين، إنني اليوم أناجى و بعزم لا يلين،ما أقسى مرارة فراقك،ما أقسى ألم البعد،اعلم أنَّ ما مضى لن يعود، وأنَّ كل ساعة للخير فيك لن تعود، آه ما أقسى فراق الأحبة،وما أشد جروح النفس،إنها لحظات ثم يؤذِّن مؤذنٌ بالرحيل، اسكبوا العبرات يا خير العباد على ضيف أتانا كالنسيم،ومضى كالنسيم، يا حبيباً علَّمنا خير الخصال، كيف لنا أن ننسى ساعات الخير ولحظات الفيض الرباني بفراقك،أنت اليوم تودعنا، ونحن سنبكيك ما دمنا على العهد ما بدلنا،انفضَّ سوقُك ، وربح من ربح ، وخسر من خسر،غداً تبكيك التراويح، وتبكيك التسابيح، وتبكيك عيون القاتمين في جوف الليل ، بين قائم ، وراكع ، وساجد،غداً تبكيك مآذننا، و تنعيك أيام البر والإحسان، والخير والإكرام،غداً تستوحش المساجد زوارها،وتنادى الأرض من عمروها بسجود،غداً يبكيك الأرحام الذين استشعروا قيمة أن يوصلوا فيك ، غداً يشرق يوم جديد، وشهر جديد وتكون قد مضيت إلى ربك بأعمال العباد..
غداً يبكيك المساكين والفقراء وأبناء السبيل ...
غداً تبكيك صدقات، وزكاوات ادخرها العباد فيك ....
هل تكون شاهداً لنا أم علينا يا رمضان ؟؟
هل سيطول بنا المقام لندركك فى العام المقبل، أم سيكون الثرى قد وارى أجسادنا، والغربة قد أحاطتنا بعدما فارقنا الأهل والأحباب ؟؟
هل سنرتِّل القرآن كما رتلناه فيك ؟
هل سنصل الأرحام كما وصلناهم فيك ؟
هل سنداوم على القيام كما كنا فيك ؟
هل سنهذب أخلاقنا كما كنا فيك ؟
هل ستبكى علينا كما نبكيك ؟؟
حين ودعتنا ودَّعنا فيك الأب الحنون، والأمَّ الرءوم، والابن البار،حين جئتنا كنا كشياه شاردة في ليالي شتاء مظلمة ، فجمعتنا بعد فرقة،وقويت عزائمنا بعد ضعف وخور،كم تنادت المآذن، كم رتَّلَ فيك المرتلون، وكم تهجد فيك المتهجدون في الخلوات، فإلى لقاء يا حبيب إن كان في العمر بقية، إلى لقاء يا حبيب إذا شاء الله تعالى وأراد، لكن تُرى هل سنبقى على العهد أوفياء ؟
لقد تركتنا يا حبيباً طرق أبوابنا فملأ الكون خيراً وبركة، لكن هل يا ترى ستكونُ شاهداً لنا أم علينا ؟ لقد رحل رمضان ولن تسقط من الذاكرة تلك المناظر التي كان شاهداً عليها، الأوابين، والقائمين ، والراكعين، والساجدين، والتائبين، والمستغفرين، ومناظر أولئك الذين ضيَّعوا أغلى الساعات أمام التلفاز والفضائيات، وتباروا في تضييع أوقاتهم، فقلبوا نهارهم ليلاً هروباً من عضة الجوع، وقلبوا ليلهم نهاراً، أمضوه في السمر، والسهر، رحلت عنا بعد أن أدميت قلوبنا، ويبقى عزاؤنا أن نكون على العهد أوفياء، لعلنا لا نلقاك فنؤجر بنيتنا
.