Saturday, March 28, 2009

أوراق ذابلة وصياغة جديدة 1

أوراق ذابلة وصياغة جديدة 1

هاتفني صديقي بالأمس ليناقشني فيما كتبت فقال لقد أتخمتنا الأحداث ، نريد أن ننطلق من النظرية إلى التطبيق، أريدك أن تعرج على دورنا الذي ينبغي علينا أن نفعله، قلت له صدقت، لقد جاء وقت العمل بعد أن هدَّنا الكلام، لكن قبل هذا وذاك علينا أن نفتش في أوراقنا الذابلة لنحيي مواتها، وعن قلوبنا الخاملة لننشط الدماء في أوردتها، وعن حضارتنا المتلاشية لننفخ الروح في جسدها الميت، وعن أمتنا المغيبة لتعود إلى رشدها، إنَّ هذا يتطلب من كل فرد في الأمة أن ينفض عنه غبار النوم، وألا يستسلم لمحاولات الإحباط المدبرة عن عمد لإفشال المشروع الإسلامي للنهضة، إنَّ علينا أن نخطو بجد نحو التغيير، وأن لا نتخلي عن ثوابتنا التي هي أصلٌ أصيل في دعوتنا، هل سألتَ نفسك ياعزيزي لماذا لم نتغير ؟ ولماذا لم يغير الله حال الأمة رغم كل ماحاق بها، ومايحاك لها ؟ هل أصبحتْ الجماعات الإسلامية علي الساحة على قلب رجل واحد؟ هل توحَّدَ الفهم؟ هل يعذر بعضنا بعضا فيما أُختِلفَ فيه؟ هل نجبر كسرنا، نلملم ما تبعثر من أوراقنا أم أنَّ كل فريق يتربص بالآخر !
إنَّ الأمة تحتاج إلى إعادة صياغة من جديد، وتحتاج إلى نهضة حقيقية تتذرع وهي في طريقها نحو الإنجاز بالأمل في التغيير دون تعجل لجني الثمار، إنَّ علينا أن نراجع علاقاتنا مع الله عز وجل، هل نؤدي الأمور المنوطة بنا على أكمل وجه أم أن الكثيرين يعطون إسلامهم ودعوتهم فضول أوقاتهم ؟ علينا أن نكسر حاجز الخوف وذلك الذي علَّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما حين أردفه خلفه: عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً ، فقال : " يا غُلامُ ، إنِّي أُعلمُك كلمات : احفظِ الله يحفظكَ ، احفظِ الله تجدهُ تُجاهكَ ، إذا سألتَ فاسأَلِ الله ، وإذا استعنتَ فاستعن بالله ، واعلم أنَّ الأُمَّةَ لو اجتمَعت على أن ينفَعُوكَ بشيء لم ينفعوكَ بشيء إلاَّ قد كتَبَهُ الله لكَ ، وإن اجتمعُوا على أن يضُرُّوك بشيء لم يضرُّوك إلاَّ بشيء قد كتَبهُ الله عليك ، رُفعتِ الأقلامُ وجفَّتِ الصُّحُفُ "
هذه بداية الطريق أن تحفظ الله تعالى ليحفظك في كل شأن من شئونك، وفي كل أمر من أمورك، احفظ الله في دينك وإيمانك، قال الله تعالى ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون * فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم)
نحتاج أن تتعلق قلوبنا بالله، وأن نحسن التوكل عليه سبحانه، وأن نستعين به في كل أمورنا فلا نجعله أهون الناظرين إلينا..
نحتاج إلى تصحيح المفاهيم، وإلى توحيد الرؤى، وإلى الإلتحام الحقيقي بالمجتمع لأن التغيير لا يأتي إلا إذا تكاتف الجميع، نحتاج أن ننترس بالدين، وأن نتسلح باليقين ، وأن نوقن بأن التغيير لا يأتي إلا إذا غيَّرنا ما بأنفسنا، نحتاج أن نحمل الأمانة، وأن نبلِّغ الرسالة برفق ولين، نحتاج أن نعامل المرضى من الناس برفق، وأن نمسح على صدورهم، نحتاج أن نوقظ الفكرة الإسلامية، وأن نجمع شتاتنا..
نحتاج إلى حرية العقول والقلوب قبل الابدان، لأن العقول إذا تحررت، والقلوب إذا تطهرت فعلت الأعاجيب، ليس لأحد من الناس سلطان على قلب أو عقل ..
نحتاج أن نقرأ التاريخ لنتعلم الدرس، ولنصحح المسار، نحتاج أن نسقط من حساباتنا منهجية التغيير القائمة على نفاذ الصبر والتي تنادي بأن التربية لم تجد شيئاً، وأننا نحتاج إلى تغيير بالقوة حتى نزيح تلك الأنظمة الجاثمة على الصدور، أقول لصديقي اقرأ التاريخ، إنَّ التاريخ يقول أنَّ الحركات التي قامت على الثورات تحوَّل القائمون عليها بعد فترة وجيزة إلى جلادين فكانت تجربة الشعوب معها مخيبة للآمال.
إن التغيير المطلوب ياعزيزي يحتاج إلى فقه ووعي، ويحتاج إلى صناعة حقيقية للحياة، فالتغيير لا يعني إنزال شعار ورفع شعار، أو استبدال سلطة سياسية بأخرى، أو تغيير مسمى بمسمى
إن الثورة الحقيقية إنما تكون على النفوس التي استمرأت الكسل، واستسلمت لضيق ذات يدها فباتت تبحث عن الحياة داخل دهاليز ضيقة، يصعب معها التنفس، إنَّ التغيير الحقيقي إنما يكون ببناء الأمة وبناء النفوس، واستنهاض الهمم وشحذها، إنها ثورة على القيم البالية التي تركت منهاجها الصحيح وولته ظهرها وهو في أيديها.
إن الأمة تحتاج أن ترى موضع قدمها من خارطة التقدم، وأن تدرك كارثة حجمها الحقيقي حتى تنتبه من غفلتها، فلا أرى سبباً منطقياً لأمة متخلفة رغم ماتملكه من مصادر تمكين متمثلة في منهج رباني قويم، ومقدرات طبيعية، وطاقات بشرية، ورغم هذا تلهث لتعيش، وتقتات على موائد اللئام ممن يتآمرون لسرقة خيرها، والعبث بمقدراتها.
لانريد أمة ممسوخة، إنما نريد أمة تبعث الحياة في بصمتها، وتسترد عزها، وتشق طريقها لتكون رائدة حتى تجلس الدنيا منها التلميذ من أستاذه وللحديث بقية.
د.إيهاب فؤاد

Saturday, February 21, 2009

بطــــــاقة تعـــــريف !!




أهلاً بكم
يا إخوتي
ياباحثين عن الريادةِ جملةً
بين السطورْ

أنا لستُ مِنْ ساداتكم
أنا كائنٌ يغدو يحلِّق كالطيورْ

أنا قِبلةُ الحيران
إنْ ضلَّ الطريق
وإنْ تظاهر لا يثورْ

فقصائدي
روحٌ تحرِّك أمتي
ودمٌ يُعطِّرُ قبلتي
حبري رصيدي
والصحائف مظلماتٌ كالقبورْ

فإذا أردتْم فاقرأوني
في مقالاتٍ كَتَبْتُ وفي
بقايا من دماء كالبحور

الصمتُ يقتلني
يزلزلني
يُكَبِلُني كما الأنعام تغدو لا تثورْ

هذا أنا يا إخوتي
أملٌ يضيئُ
وبسمةٌ تعلو الثغورْ

هذا أنا
بين المآذن موطني
وإلى طريق العز
تشتاق الصدورْ


د.إيـهـاب فـؤاد

Tuesday, February 17, 2009

لوعة حزن على الحبيب حاتم





قد يكون الجرح نزفا ، وقد تكون المرارة فوق أي وصف أو كلام، قد يكون الجرح غائراً، وقد يكون الألم نافذاً إلى حدٍ لا نستطيع معه أن نعبر عما في نفوسنا،هكذا الدنيا، في لحظاتٍ يقطع الأجلُ الأملَ، وننتقل إلى دار الخلود الحقيقي، إلى جوار ربِّ كريم، يعود كل شيئ إلى أصله، وإلى مبتداه، {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ ... }
فلله الحمد الذي يسترنا بالموت، ويكرمنا بجواره فهو سبحانه أرحم بنا من الأم بولدها..
نقبل شئنا أم أبينا، ولا نسطيع للموت دفعاً رغماً عنا، ولا يبقى إلا أن نسلم آملين أن يرفعنا الله بتسليمنا بالقضاء إلى مرتبة علية، وتبقى في النفس مع الألم ذكرياتُ تحرك شجونها، وتثير سكونها فما أعجب الموت الذي ينقلنا من دار إلى دار !
تبقى دموع تسيل على الخدين تخبر بصدق المشاعر، تبقى ابتسامة جميلة رسمها موقف، وحدد معالمها حسن خلق، وسيرة حسنة نعطر بها أيامنا، ونطفئ بها لهيب أشواقنا..
مازلت أذكر ليالينا الجميلة التي كنا نقضيها في الجامعة حتى ينتصف الليل، في سكون غير مسبوق، وهدوء عجيب ، مازلت أذكر ابتسامتك البريئة التى كانت ترسل عبر قسماتِ وجهٍ ملائكي يحمل الحب للجميع، وينشر الحب بين أقرانه...
شذى عطرك يفوح في الأجواء
لقد أقض مضجعي نبأُ موتك، وأسال دموعَ عيني خبرُ رحيلك لكن حسبي حسن الخاتمة، أداء لفريضة الحج، موت في أرض غربة وهي إن شاء الله شهادة..
رزقنا الله صبراً على فراقك، وأعلى الله قدرك ومنزلتك بجنة تسكن لوعة فراقك
...

Monday, February 16, 2009

لوعة حزن على الحبيب حاتم


رَحَلَ الصباحُ وخلفـه
تَركَ المآتمَ والجـراحْ

ياويحَ قلبي إنَّــــه
ماعادَ يكفيه النــواحْ

قلبي لبعدك حاتــمُ
متصدعٌ بالحزنِ فــاحْ

دمعي تساقط حائـراً
ودمي على الخدين ساحْ

عقلي تَسَمَّر عاجـزاً
قلبي مِنَ الأحزانِ صـاحْ

مازلتُ أذكرُ بيننــا
أيامَنا تلكَ المِـــلاحْ

قدْ كُنتَ طيفاً حاتـمُ
قدْ كُنْتَ نجماً بالبطـاحْ

جاورتَ رباً منعمـاً
فاهنأْ فيانعمَ ا لصبـاحْ

فارقدْ هنيئاً ضاحكـاً
بعد الشقاء لمسـتراحْ

بكت المآذن حاتمـاً
وبكى مع الليل الصباحْ
د.إيهاب فؤاد

Saturday, February 7, 2009

إن عدتم عدنا يابني صــهيون

إنَّ من نعم الله على أمة الإسلام أن جعل بين ظهرانيها كتابًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ فيه خبر من كان قبلنا، ونبأ ما بعدنا. وحين تقرأ كتاب الله تعالى تأخذك آياته الكريمة إلى ملكوت الله، وإلى بيانه المعجز الذي يُحيِّر الأفهام، ويُعيي الألباب وأصحابها؛ لا تنقضي عجائبه، ولا يَخْلَقُ من كثرة الرد؛ فسبحانه ما أحكمه!، وما أعظمه!، فما وفَّيناه حقَّه.في أروقة الساسة تدور مؤامرة توحي بغدرٍ يكمن بين ثنايا اللقاءات المتتابعة، والتي تضغط على حكومة فلسطين الشرعية للقبول بهدنة تضيع على مائدتها دماء الشهداء، وأرواح الأبرياء دون ثمن يذكر؛ لتكون بعدها ذلك الفتيل الذي يُشعَل ليقلب الدنيا على رأس حماس؛ ساعتها سيقول المتربِّصون: وماذا جنت حماس؟! لقد كان التفاوض على هذه المبادئ موجودًا، وهي إذن لم تحصِّل شيئًا سوى مزيدٍ من التدمير والإبادة لشعبها، ويحاول الإعلام أن يوجِّه سهامه إليهم ليقبلوا بتهدئة مَشينة، وفي نفس الأثناء تهمس أصوات باحتمال اجتياح موسَّع لغزة ربما كان موعده قريبًا، وهذا ما يفسِّره استدعاء الأطقم الطبية والتحذيرات الرسمية لها.لقد نسي هؤلاء قول الله جل وعلا ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8)﴾ (الإسراء).لقد جاءت آيات الله المُعجِزة لتفضح أمر بني إسرائيل الذين أذاقهم الله ويلات الذل والقهر فعادوا إلى ربهم، وفي مقابل عودتهم كان استعلاء المنتصرين، وكان طغيانهم سببًا لأن يقتص الله للمغلوبين من الغالبين، ويمكِّن للمستضعفين في الأرض.لقد فضح الله أمرهم، وأشار إلى استحقاق التمكين حين التوبة والعودة إليه سبحانه، لكنَّ الواقع اليوم مغايرٌ لما عليه اليهود؛ لقد خرجوا من غزة صاغرين، تجرَّعوا مرارة الهزيمة، وحملوا أشلاء قتلاهم وواروا خذلانهم بخطابٍ مَهينٍ عارٍ من الصحة؛ صدَّره وزير دفاعهم بأنهم قد وجَّهوا إلى حماس ضربةً قاضيةً، فإذا كانت الضربة قاضية كما زعم الأفَّاك فلماذا يفكِّرون في العودة؟!لقد عادوا إلى الإفساد كما قال صاحب الظلال رحمه الله تعالى: "ولقد عادوا إلى الإفساد فسلَّط الله عليهم المسلمين فأخرجوهم من الجزيرة كلها، ثم عادوا إلى الإفساد فسلَّط عليهم عبادًا آخرين، حتى كان العصر الحديث فسلَّط عليهم "هتلر"، ولقد عادوا اليوم إلى الإفساد في صورة "إسرائيل" التي أذاقت العرب أصحاب الأرض الويلات، وليُسلِّطَنَّ الله عليهم من يسومهم سوء العذاب؛ تصديقًا لوعد الله القاطع، وفاقًا لسنته التي لا تتخلَّف، وإن غدًا لناظره قريب" ا هـ.إنَّ غدر اليهود ومكرهم يجري في دمائهم مجرى الدم من العروق؛ ما حفظوا يومًا عهدًا، وما أبرموا يومًا ميثاقًا، ولعلَّ ذلك رسالة إلى المجاهدين أن يقبضوا على الزناد وأن يكونوا على أهبة الاستعداد ولسان حالهم يقول: إنْ عدتم عدنا يا بني صهيون؛ فحرصنا على الموت كحرصكم على الحياة، وحبنا للشهادة كعبادتكم للمال والشهوات، ودفاعنا عن أرضنا أعظم من دفاعكم عن كيانكم المغتصب؛ فحربنا عقيدة، ودماؤنا ضريبة العز والتحرير والتمكين.ويبقى على الأمة دورٌ لا بد أن تلعبه هذه المرة وبقوة، وشعارها: وإن عدتم عدنا.. إن عدتم يا بني صهيون إلى غدركم، وإلى مهاجمة غزة خرجنا عن بكرة أبينا.. خرجنا هذه المرة لنفتح الحدود، ولنشق الصفوف، ولنكون جنبًا إلى جنب مع إخواننا؛ نمنعهم ما منعنا أبناءنا وأهلينا، ونذود عنهم ما ذدنا عن حياضنا؛ ففلسطين أرض كل المسلمين، وقضيتهم قضية كل المسلمين.. إن عدتم عدنا لنخاصم من خذل المقاومين، ولنجابه من شوَّهوا معالم الجهاد.واجبنا أن نوقظ النيام، وأن نهيِّئ الرأي العام لتلك المؤامرة التي يحاولون من خلالها استئصال شأفة المقاومة بعد أن فشلوا في المرحلة الأولى.مخطئٌ من ظنَّ أن المقاومة يمكن أن تخمد ثورتها.. واهمٌ من ظن أن الضغط يمكن أن يُمليَ الشروط.. إن المجاهدين الذين سطَّروا ملاحم العزة في معركة غزة قادرون- بإذن الله- على أن يدحروا اليهود؛ فالمعركة تقودها الملائكة، والله كفيل وحده بالدفاع عن الذين آمنوا وعلى نصرهم، قال سبحانه في محكم كتابه : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج: 39).
د.إيهاب فؤاد

Sunday, January 25, 2009

إنهم فتيةٌ آمنوا بربهم


مازلت كغيري من المهتمين بواقع أمتنا ومحاولة تحليله للإستفادة من الواقع مبهوراً بتلك البطولات الأخاذة، وذلك الصمود الذي أبهر الدنيا كلها، وفي نفس الوقت ذلك العار الذي يطارد وسيلاحق المنادين به حتى في قبورهم، لقد بهرني ثبات أولئك الفتية الذين سطروا صفحات من نور في سجل الجهاد، وأيقظوا تلك الفريضة الغائبة والتي كنا نتناولها على استحياء ووجل، خوفاً من البطش والتنكيل والإرهاب، والتهم المفبركة لتلصق بكل حر أبي، لم تكن منظومة النصر التي عزفتها المقاومة في غزة العزة سوى نبت طيب لأمة لا ينضب فيها معين الخير، ولا تُعدَم الرجال الأشداء الذين يذبون عن دينهم ويدافعون عن كرامتهم مهما كان الثمن، ولا تُعدَم أولئك الأطفال الذين ولِدوا عمالقةً في زمن الخنوع، وأباةً في زمن الذل، وأعزاءَ في زمن التنازلات،لم يكن غريباً أن يتحدث الأطفال كأعظم الرجال ليعزفوا سيمفونية الثبات، ولعلني لا أنسي تلك الطفلة التي أبكت وائل الدحدوح على شاشة الجزيرة وهي تحكي عن المجازر والمآسي، وأشلاء الشهداء التي تناثرت أمامها واستشهاد ذويها، ورغم هذا تقول بكل ثبات، لن نترك أرضنا، نعيش هنا، ونموت هنا، فهنا أرض المحشر والمنشر، فبكى كما بكت معه الملايين التي شاطرت العمالقة الأفراح والـأتراح، لقد صنع التاريخَ فتيةٌ آمنوا بربهم، اتخذوا من كتاب الله مؤنساً ومعيناً، ومن قيام الليل زاداً يستجلبون به رحمات الله وغفرانه، تحللوا من الدنيا، فكانت الآخرة جُلَّ همهم، ولم يخدعهم شبابٌ، ولا قوةٌ ولا فتوةُ، لقد جعلوها لله في زمن يعربد فيه أقرانُهم، ويقضون أوقاتهم بين المعاكسات، والمسامرات،والعلاقات العاطفية، جيلٌ رباني، آمن بالله رباً فقاده إيمانه إلى المعجزات، واتخذ من رسوله قدوة فأنارت لهم الطريق، ومن كتاب الله هادياً ومرشداً ودليلاً، فكان نعمَ الصاحب في الدُلَجِ، لله درهم،لقد ثبتوا ثباتاً راساخاً بنفوس مطمئة إلى الحق الذي عرفت،فهو دليلهم إلى الحق الذي عرفوا، وله في نفوسهم سلطان يملك عليهم زمام حياتهم، وفي نفس الوقت آلمني أقزام خرجوا من خباء النساء، يولولون ويتحسرون، ويرتمون في أحضان الإحتلال، يشوهون الجهاد، وينالون من المجاهدين ليسرقوا ثمرةَ الدم والعرق، لعل ألسنَتَهم قد سالت، ولعل لعابَهم قد نزل على أفواههم لرغبتهم الملحة في مزيد من الثراء على حساب وطنٍ مجروح، وشعبٍ مكلوم، والتاريخ كما أنه لا يرحم أحداً فمزابله مليئة بأمثال عبد ربه، ودحلان، ليس عجيباً أن ينعق الناعقون ليبحثوا لهم عن موضع قدم على قارعة الطريق لعل أحداً أن يذكرهم، في أحضان رام الله ترتمي سلطة المحتل التي كبَّلت المجاهدين، وأغلقت دون الإنتفاضة التضامنية في الضفة كل باب، يعلو الرويبضة ويتاورى الفرسان في زمن الأقزام، ولا يضر الشجر أن يرمى بحجر....
د.إيهاب فؤاد